بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
تعريف الآية
اختلف أهل اللغة في معنى كلمة آية كما اختلف أهل التفسير حولها، ولكن المتتبع يكتشف في استعمالاتها معان متعددة، وفي اصطلاحاتها بحسب الفنون والعلوم مفارقات فيما وضعت له في عدة وجوه مختلفة، لذلك فإن الباحث في معناها قد يحشر في عدة زوايا بين الوضع والاستعمال العرفي والاصطلاحي والمعنى القرآني وصولا للتعريف والحد الأصولي.
سعة اللغة تستدعي بحثا من عدة جهات، منها:
- بنية وأصل الكلمة.
- معنى الكلمة.
- الاستعمال القرآني.
- الاستعمال العرفي.
- التعريف الأصولي.
حتى نتمكن من الوصول للمعنى نوعا ما.
نظرا لكون القرآن الكريم مصدرا من مصادر الحجج و الاحتجاج في اللغة واستعمالاتها وقد نزل بلسان العرب لجأ كثير من أهل القواميس والمعاجم إلى الاستدلال بالقرآن في بيان معناها، واعتبروها من صميم علوم القرآن ومختصة به، فاستدلوا على معانيها بالقرآن الكريم، إلا أنه لنفس المعنى شواهد شعرية عند العرب.
ولكن استعمال العرب لها قديما يجعلها ذات أصول وضعية، ويحدد استعمالاتها، ويجعلها في المعنى القرآني في مصب وسياق المعنى الاصطلاحي الخاص بعلماء التفسير، خصوصا بعد وضع حد منطقي لها في تعاريفهم من جهاته الجامعة والمانعة.
فلذلك ينبغي البحث في عدة سياقات لاستقراء المعنى وبيانه، وإن خرجنا من مبحثنا قليلا، إلا أن الأمر يستحق العناء لاحتياجنا إليه عموما في جميع الأحوال من جهة، وكونه يقع تحت نظر الباحثين.
بنية وأصل (الآية)
هناك بحوث موسعة لأهل اللغة في كلمة آية واشهرت منها ثلاثة أقوال مختلفة، وهناك من اختلف في بنيتها، بجانب بحوث أخرى بحثت في اشتقاقاتها لفظا كاشتقاق كلمة آية من إياك، فعلى ذلك ينبغي النظر في أمرين:
الأول: الأقوال في أصل الكلمة:
واشتهرت في ثلاثة أقوال:
- يحيى بن زياد الأسلمي (الفراء): قد اعتبر الآية من الآيات والعبر، وقال: إنما تركت العرب همزتها كما يهمزون كل ما جاءت بعد ألف ساكنة، لأنها كانت _ كما يرى _ في الأصل (أَيَّة) فثقل عليهم التشديد فأبدلوه ألفا لانفتاح ما قبل التشديد، كما قالوا (أَيْما) لمعنى (أَمّا).[1]
- علي بن حمزة الكسائي: قد اعتبر أصلها (آيِيَة) على وزن فَاعِلَة، مثل (آمِنَة)، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتباسها بالجمع، وقيل حذفت كي يلتزم بالإدغام فيها اشتباها مثل دابّة فخففت الياء فصارت كما اعتبرها. [2]
- عمرو بن عثمان الحارثي (سيبويه): اعتبر أن أصلها (أَيَيَة) على وزن فَعَلَة مثل شَجَرَة حيث تحركت الياء وانفتح ما قبلها وانقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة.
- الخليل بن أحمد الفراهيدي: حكي عنه أوية.[3]
الثاني: الأقوال في بنية الكلمة:
اختلف النحاة في أصل العين ياء أو واوا حيث ادعى الجوهري ذهاب سيبويه لكونه واوا[4] رغم أن قول سيبويه بانقلاب الياء ألفا واضح كما مر، وعلى العموم فبحثهم في أن أصل العين ياء أم واو؟
وقد استدلوا ببيت أنشده الجوهري :
لم يبق هذا الدهر من آيائه * غير أثافيه وأرمدائه
واعتبر الغلبة لما كانت عينه واوا ولامه ياء أكثر مما كانت عينه ياء ولامه مثله، فاحتمل التغليب في ذلك، ورد بأن الشاعر كان بإمكانه أن يقول: آوائه فتتغير بنية الكلمة ولا تضر بالوزن والمقصود ولكنه قصد ما قال، إلا أن أبا زيد أنشد:
لم يبق هذا الدهر من آيايه * غير أثافيه وأرمدائه .
وقال الجوهري جمع الآية آيٌ وأيايٌ وآيات.
وفي جمع أياي قال ابن بري بأن الصواب هو أياء بالهمز، لأن الياء إذا وقعت طرفا بعد ألف زائدة قلبت همزة، وهو جمع آي لا آية.[5]
ثالثا: مشتقات الكلمة:
حكى الجواهري عن الخليل إجازته في النسبة للآية الآيي والآئي والآوي إلا أن نسبة أووي لم يقل به أحد غيره.
وتأيّا ,تأيّأ : يعني مكث وتلبث وتثبت، وتأتي بمعنى تأنى؛ والتأيي: التودد.
وإيا الشمس وإياؤها: نورها وضوؤها وحسنها، والأَياء والإيا و إياة كلهم بمعنى شعاع الشمس وضوؤها؛ كما أن إيا النبات وإياؤه حسنه وزهره.
إن مشتقات الكلمة لا تناسب معنى الآية إلا إذا لوينا المعاني لويا ووصلناها وصلا، لذلك لا سبيل للبحث عن المعنى اللغوي في معنى الآية سوى بالتعامل معها على نحو جامد لغة بلا اشتقاق، لأننا لو اعتبرنا الآية باحتمالات المعاني المشتقة من الكلمة :
يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [6]، فلو أخذناه بمعاني المشتق لفقدنا معنى آية كبرهان واشتبهنا وللبسنا معنى حسن الزرع وهو غير مراد في معنى وسياق الآية الكريمة… وهكذا.
[1] ابن منظور، لسان العرب الجزء 6، ص 45 ، طبعة دار الفكر.
[2] نفس المصدر والصفحة.
[3] الزبيدي، تاج العروس، ج19 ص 180.
[4] ابن منظور، لسان العرب الجزء 6، ص 45 ، طبعة دار الفكر.
[5] الزبيدي، تاج العروس، ج19 ص 180.
[6] النحل آية 11.