بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
تقدم الكلام حول الوجوب العقلي والفطري والشرعي والعقلائي وكلامنا اليوم عن الواجب التخييري والتعييني.
قد يتوجه سؤال حول نوع الواجب في موارد الاجتهاد والتقليد والاحتياط، هل هو عيني أم تخييري؟ وهل هناك تعيين بأن يكون كل مكلف مطالب بالاجتهاد؟ فقد مر علينا بأن وجوب الاجتهاد كفائي، ولكن ذلك حين تنجزه، ويبقى أن وجوبه على المكلف هل هو تعييني أم تخييري؟
ينقسم التخيير إلى عقلي وشرعي:
التخيير العقلي: التخيير بين أفراد طبيعة واحدة حيث القدر الجامع بين الأفراد في عنوان كلي.
التخيير الشرعي: كون الواجب في كل واحد من الأمور رغم عدم وجود جامع حقيقي بين عدلي التخيير، حيث يكون الواجب في كل فرد من هذه الأمور لكنه لو أتى بأحدهم سقط عن الباقين.
فهل التخيير بين هذين القسمين أصولي؟ أم لغوي؟
قد ذهب الأعلام إلى أن عدم وجود الجامع بين الأبدال الثلاثة لا يجعل بينها أي تخيير عقلي، ولم يعتبر الذاهبون للوجوب العقلي كونه وجوبا شرعيا.
وقد مر أن بعض الأعلام ذهب إلى كون حصر الأبدال استقرائي، وذهب آخرون لكونه ثنائيا.
لذلك اعتبر التخيير لفظيا.
النظر في هذه القضية باعتبار وجود الجامع، حيث أن اشتغال الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني من جهة أنه يدعو للتخلص والفراغ من التكاليف المختلفة و يقتضي أن تكون النتيجة هي التخيير بالحكم بالجامع حيث يستلزم الاجتهاد والتقليد والاحتياط لبلوغ ذلك، والتخيير بهذه الكيفية نظير التخيير بين أفراد المطلق.
وفي لحاظ مانعة الخلو انحصار الطريق بهذه الثلاثة للفراغ.
استشكل بعض الأعلام وجود الاحتياط في طول القسمين الآخرين لأنه يمكن أن يكون في عرضهما كما ذهب آخرون.
فقد ذهب الميرزا النائيني والميرزا القمي قدس سرهما الشريف إلى كون الاحتياط طوليا حيث أن المكلف يتعين عليه الاجتهاد أو التقليد وإن لم يستطع فيتعين عليه الاحتياط، وعلى هذا فهو لا يعادل الاجتهاد والتقليد.
وقد ذهب الشيخ حسين الكركي وبن زهرة والحلبيون قدست أسرارهم إلى كون الاجتهاد واجب عيني، وأن على المكلف السعي في تحصيل الأحكام الضرورية حتى قال الشيخ حسين الكركي: اعلم: أن كل من سعى في تحصيل مسألة مما كلف به وفهمها كما يجب، وضبطها فقد اجتهد في تحصيلها، والسعي في تحصيل ما لا يعذر المكلف بجهله من العبادات الواجبة والحقوق اللازمة فرض عين لا يعذر أحد في تركه وليس له حد يقف عنده، بل كلما احتاج إلى حكم يجب عليه السؤال عنه، وهذا معنى قول أصحابنا الحلبيين: إن الاجتهاد واجب عيني، وبهذا فسر مذهبهم شيخنا البهائي، وذلك إنهم لم يكونوا يعملون إلا بالحديث، كما صرح به ابن زهرة في ” الغنية “، فالعامي عندهم إذا سأل العالم عن مسألة شرعية فأجابه عنها بلفظ الحديث أو بمعناه، وفهمه العامي كما يجب فقد تساويا في علم تلك المسألة، لأن المسؤول ناقل لفتوى أهل البيت عليهم السلام والسائل يرويها عنه[1]…
يفترض في هذا المورد أن يكون الاجتهاد والتقليد والاحتياط في عرض واحد حيث يختار المكلف أحد هذه الأمور الثلاثة.
فلذلك مر علينا استشكالهم جعل الاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد.
والحمد لله رب العالمين.
[1] هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار: 203.