بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كلامنا اليوم في لحاظ المحكوم عليه من حيث الوجوب المتعلق بالمكلفين هل هو كفائي أم عيني؟
فالواجب العيني: هو قسم من أقسام الأحكام الواجبة على كل مكلف بشكل مستقل، ولا يمكن لغيره الإتيان بها عنه لأنه مكلف بها عينا.
يقابله الواجب الكفائي: وهو الواجب الذي إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر و يقع في قسمين:
العام: وهي الواجبات التي يستطيع كل مكلف الإتيان بها كغسل الميت ورد السلام وغيره.
الخاص: وهو ما يحتاج لقابليات خاصة وإمكانيات خاصة كعلاج المرضى والقضاء والتصدي للفتيا.
قد ذهب الحلبيون وابن زهرة في الغنية إلى أن الوجوب في الاجتهاد عيني، كما ذهب من يحرم التقليد إلى وجوبه على المكلف حتى لو بصورته البسيطة في مورد إشكالهم على الواجب التخييري.
فعلى هذا انقسم الفقهاء في حكم التقليد إلى مذهبين وقيل ثلاثة.
الأول : مذهب القائلين بحرمة التقليد وسيأتي في محله.
الثاني : مذهب القائلين بوجوبه .
كلامنا في القسم الثاني ، ولكن يلزم الاجتهاد بالوجوب العيني حتى القائلين بحرمة التقليد، لأن لا طريق للوصول للخطاب الشرعي غير ذلك.
أما القائلين بوجوبه يرون بأن هذا الواجب كفائي لأنه لا يمكن أن يكون خطابا للجميع لتباينهم في القابليات والإمكانيات والعلم وبديهية الحرج على بعض المكلفين واستدلوا بقوله تعالى: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ).[1]
فقد حددت الآية النفر من كل فرقة طائفة ولم تتناول الجميع، وإن كان الحذر وجوب عيني على المكلفين وهم أقوامهم.
وخطاب الآية بجملتها الخبرية يستبطن رفع توهم وجوب النفر على كافة المؤمنين لأن التعلم ورواياته ودعوته وأخذ ما فيه مشافهة من النبي صلى الله عليه وآله قد يفهم منه الوجوب العيني، فلذلك نفت في خطابها النفور بأنه قد وجب على كافة المؤمنين وجعلته في طائفة.
وقد حملها بعض الأعلام على حجية قول الثقة على المكلفين بينما اعترض السيد الصدر قدس سره الشريف على ذلك معتبرا أن الآية غير ناظرة لحجية الأخبار بل تنظر لضرورة وجود طائفة تتحمل المسؤولية الشرعية والتبليغ والتفقه وحمله إلى الأجيال.
ناقش بعض العلماء الأصوليين أصالة كون الخطاب الشرعي يتناول الوجوب العيني وإنما يحتاج لدليل وقرائن وظهور خاص في فحوى خطابات الوجوب الكفائي، فعلى ذلك لو شككنا في الخطاب الشرعي بين وجوبه العيني أو الكفاية فالأصل العيني لا الكفاية.
وهنا اختلف البعض في بديهية وجوب التقليد والاجتهاد والخطاب الشرعي الذي يتناوله فمن شكك بذلك الخطاب ذهب لأصالة الوجوب العيني ، واستدلوا بأن هذا الاختلاف في الخطاب هو شك بدوي ، بينما ذهب الأعلام إلى بديهة هذا الوجوب في الخطاب الشرعي.
[1] سورة التوبة الآية 122.