بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
تقدم الكلام في الوجوب العقلي وأنه إن كان يتألف من مقدمتين عقليتين فإنه من سلسلة العلل وإن كان يتألف من مقدمة شرعية أو كبرى شرعية وصغرى عقلية فهو من سلسلة المعلولات.
وكون العقل من سلسلة المعلولات يجعله ملتزما بالعلة الشرعية أو بالكبرى الشرعية وإن كانت النتيجة تبدو عقلية، فلذلك حصلت عدة إشكالات على اعتبار الوجوب الشرعي في مسألة التقليد حكما مولويا أم إرشاديا؟
أولا: إن الأمر الإلهي في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [1] ، أمر صريح وواضح في حال عدم العلم وعدم الوصول للحكم الشرعي الرجوع للعالم.
ثانيا: رواية وجوب التعلم التي رواها المفيد في أماليه : في تفسير الآية : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [2].
رواه الشيخ في أماليه قال: حدثنا محمد بن محمد _يعني المفيد_ قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد قال حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمد (ع) وقد سئل عن قوله تعالى ” فلله الحجة البالغة ” فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما؟ فإن قال: نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة البالغة [3].
قد اختلف الأعلام في كون هذا الواجب نفسي أم غيري وسيأتي بيانه في محله بعونه تعالى، لأن كلامنا هنا محوره الوجوب وذاك مبحث من مباحث الواجب، والفرق بينهما أن الوجوب هو حكم شرعي من الأحكام الخمسة والواجب هو الفعل الذي تعلق به الوجوب.
وللوجوب الشرعي مرحلتان:
مرحلة الثبوت: حيث مدار الأثر الشرعي وعدمه في الأحكام، والحال أن المقدمة العقلية معلولة هنا ومتأثرة بالوجوب الشرعي.
مرحلة الإثبات: إن الأصل هنا مولوي.
وبيان ذلك أننا لو فرضنا وجود شبهة بين كون الحكم مولويا أو إرشاديا فالأصل أنه مولوي إلا إن دلت مقدمتان عقليتان مستقلتان سبقها رتبة على الحكم الشرعي فيكون حكما إرشاديا والحال أن دفع العقاب حكمه شرعي ودليله من الشريعة لأن العقل مستقلا لا يمكنه الوصول لحقيقة وجود هذا العقاب ونتيجته، فلو نفينا الوجوب الشرعي لاندفع استحقاق العقاب.
ولا يمكن إجراء أصل البراءة في الشك البسيط لأن التكليف هنا محرز وليس في التكليف، وإنما الشك في المكلف به.
وحكم العقل والفطرة لبي ووجداني فلا يمكن الحكم عليه بالعام والخاص والإطلاق والتقييد وغيره، لأنه يأبى ذلك، بينما الحكم الشرعي لفظي فيه المطلق والمقيد والعام والخاص والمجمل والمبين والمشتق وغيره مما يتضمنه الخطاب الشرعي.
وهكذا فالأصل أن الحكم مولوي وليس إرشاديا في الوجوب الشرعي.
[1] سورة النحل الآية 43.
[2] سورة الأنعام الآية 149.
[3] راجع تفسير برهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و 180 من الطبعة الثانية عن أمالي المفيد.