بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
بقي الكلام في الوجوب العقلائي واختلافه عن الوجوب العقلي بأنه استقراء لسيرة العقلاء وانتزاع الحكم منهم، وهذا يدعونا للسؤال حول نوع الانتزاع هل هو استقراء تاريخي أم ارتكازي؟
دعونا نبحث حول أصل هذا المصطلح واستعماله والتصريح به في المناهج الفقهية وجوامعها.
بدأ الشيخ جعفر كاشف الغطاء قدس سره الشريف في القرن الثالث عشر عندما عدد الأدلة التي يعتمد عليها الفقيه وأدرج السيرة في كتابه كشف الغطاء.
ثم استعملها صاحب الجواهر بعدة ألفاظ وعدة استعمالات مختلفة دارت بين سيرة المتشرعة والعقلاء بألفاظ عامة كسيرة العلماء وسيرة العوام وسيرة المتدينين في موارد فقهية متعددة.
وقد اعتبرها صاحب الجواهر قدس سره الشريف أقوى من الإجماع لأن الإجماع يعتبر من سيرة العلماء حصرا بينما سيرة العوام تكون أعم من العلماء وتشمل الجميع وجعل هذه السيرة العامة مقابل حتى الروايات في بعض الموارد.
وقد توقف الشيخ الأنصاري قدس سره الشريف حول اعتبار هذه السيرة مما يصح الاحتجاج به دائما حيث يرى بأنها قد تكون تامة في الاستدلال وقد لا تكون، فلذلك ناقش هذا الأمر متحفظا من تسامح العوام ولا مبالاتهم عادة أو ما يكون منشأه العادات.
وإن كانت العادة حسنة فإنها تكون من المروءة وليس من الضرورة أنها تثبت حكما شرعيا.
أما ما ذهب له الفقيه الهمداني في الإشكال الوارد الذي يقول: هل يمكن استفادة الوجوب والإلزام من السيرة أم لا؟
فقد ذهب إلى أنه أقصى ما يمكن أن تحققه السيرة هو الرجحان أي أنها لا تحقق الوجوب.
وقد ذكر السيد محسن الحكيم قدس سره الشريف السيرة الارتكازية حيث قال في مبحث الكر: الارتكازية متحققة في المقام …إلى أن قال: وهذا الارتكاز حجة كالسيرة العملية.
وقد أشكل السيد الخوئي قدس سره الشريف على هذا النوع من السيرة بأنها لم تكن موجودة في عصر المعصومين عليهم السلام، وقد رد الشهيد الصدر الأول قدس سره الشريف أن تطبيق وجود ارتكاز فعلي في عصر المعصومين عليهم السلام يستلزم الإشكال في تملك الكهرباء والماء في زماننا.
وقد ذهب السيد الخميني قدس سره الشريف إلى الوجوب الارتكازي العقلائي بقوله: أنّ الأئمة عليهم السلام قد علموا بأنّ علماء الشيعة في زمان الغيبة وحرمانهم عن الوصول إلي الإمام ، لا محيص لهم من الرجوع إلي كتب الأخبار والاُصول والجوامع ، كما أخبروا بذلك ، ولا محالة يرجع عوام الشيعة إلي علمائهم بحسب الارتكاز والبناء العقلائي المعلوم لكلّ أحد . فلولا ارتضاؤهم بذلك لكان عليهم الردع؛ إذ لافرق بين السيرة المتصلة بزمانهم وغيرها، ممّا علموا وأخبروا بوقوع الناس فيه ، فإنّهم أخبروا عن وقوع الغيبة الطويلة ، وأنّ كفيل أيتام آل محمد صلّي الله عليه وعليهم علماؤهم ، وأنّه سيأتي زمان هرج ومرج يحتاج العلماء إلي كتب أصحابهم ، فأمروا بضبط الأحاديث وثبتها في الكتب.[1]
واقع الأمر أن السيرة العقلائية تقتضي رجوع الجاهل للعالم لغرض التقليد والوصول للحكم الشرعي والعمل به ولكن لا يمكن البناء عليها على إطلاقها لأن سيرة المتشرعة تردعها بكون الرجوع للذكر دون الأنثى فإننا لو بنينا على هذه السيرة مطلقا لصح الرجوع فيها للمرأة دون قيد الذكورة الذي نصت عليه الشريعة.
[1] الخميني ، السيد روح الله الموسوي ، الاجتهاد والتقليد : 80