المباحث الأصولية في فهم معنى الآية:
بعد كل ما مر سابقا من مباحث الألفاظ حول معاني الآية واستعمالاتها في عدة وجوه أصبح بإمكان المباحث الأصولية بحثها في عدة وجوه:
- من جهة مباحث الألفاظ: حيث وجدنا سابقا أن المشتق اللفظي الوضعي من نفس حروف الآية لا يمكن اعتماده باحتمالات المعاني المفتوحة بلا أي تحديد، وإنما يمكن للباحث الأصولي العمل على اشتقاق المعنى منها إن سمح معنى الآية بذلك، أو الامتناع إن كان معناها جامدا لا يمكن التصرف فيه.
- من جهة حجية الظهور: حيث يكون في سياق التبادر والمكونات الخاصة من حقيقة واضحة، أو ما يحتاج للقرينة للوصول للمعنى الحقيقي بين الحقيقة والمجاز، والمجمل والمبين، والعام والخاص والمطلق والمقيد وغيرها من المباحث التي يتابعها الباحث بحسب اللفظ واستعمالاته وما وضع له، حتى تتجلى أصالة الظهور لتكون ملزمة بدلالاتها.
- من جهة الدلالة: ومباحثها في الألفاظ قائمة على دراسة الوضع والاستعمال للوصول للمعنى المراد من الخطاب الشرعي، فالعادة قائمة على الوضع الذي هو من غايته حصول المعنى ليكون دالا عليه.
- من جهة المفاهيم: إن الظواهر من حيث عموماتها (كالآيات) أو إطلاقها (كالآية) حيث التقييد بالشرط والوصف الذي ينفي ويثبت وفق علة حكمية، وإن اختلف العلماء السابقين باعتبار الدلالة بين اللفظ والمفهوم عقلية، والعلماء المتأخرين اعتبروها دلالة بحسب الوضع أو الإطلاق متقيدة بالحكم وبقائه من عدمه.
كما أن للسياق دور واضح في المعاني المختلفة، وبيان محال اللفظ وتراكيبه في الكلام حيث يمكنه أن يظهر معنى محددا يتسالم عليه السامعون ويمنع معنى آخر بسبب الهيئة السياقية للكلام.
لو فعّلنا التطبيق الأصولي والبحث فيه بين كل ما مر من المعاني التي سبقت فإننا سنكون في طريقين، وهما:
الأول: طريق الجمع بين المعاني المختلفة واختيار فرد نسبي يلتقي مع الجميع من وجه ويختلف من وجوه أخرى فيصبح المعنى مهملا، أو موجها لأحد المعاني الجامعة دون الأخرى.
الثاني: البحث عن المدلول فعلا، والفرد المحدد الذي تتفق عليه الأحكام المختلفة بحسب ظهوره، والذي يصلح أن يكون موضوعا في جميع جهاته، مقيدا أو متقيدا، ملزما أو ملتزما في مفهومه حتى يمكننا البناء عليه.
فلو بحثنا بين الطريقين لوجدنا التعيين أولى من التخيير، وصعوبة تعقل مرادين للفظ واحد في خطاب واحد، واختيار فرد نسبي يجعله متزلزلا في موارد الجعل المختلفة حين تطبيقه على الأفراد في الخارج، إلا إذا كان الفرد كليا وكان المعنى هو نفس ذلك الكلي والأفراد الطبيعية تكون مندرجة تحته، أو عنوان عام يمكن اندراج الأفراد تحته فيتعين المراد في نفس العام ، او إطلاق في مفهوم إن لم يتقيد.
فالطريق الثاني في البحث عن المدلول وإن كان عاما أو مطلقا باستعمال أدوات التعادل والتراجيح والمباحث اللفظية وحجية الظهور والتبادر أولى وهو ممكن وليس ممتنع على الباحثين.
وقد يلجأ البعض لكلام اللغوي في فهم مراد المولى في الخطاب اللفظي القرآني وقد يفيد ذلك في معاني الكلمات ولكنه لن يصلنا للمراد المنشود فيما يتألف منه اللفظ خصوصا في الأفراد المشككة أو المعاني المشتركة في الألفاظ، حينها يظهر دور الفقيه للوصول للمراد الشرعي.