بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
تقدم الكلام عن الوجوب الفطري في المسألة الأولى وقد بينا أن الوجوب الفطري له جنبة ادراكية ولكنه مختلف عن الوجوب العقلي، لذلك علق السيد المرعشي قدس سره الشريف في تعليقته بأنه: يجب عقليا، بل فطريا، للتشابه بينهما من حيث الالتفات والإدراك من هذه الجهة، ولكن الوجوب العقلي يختلف ومباحثه تختلف أيضا.
فقد قسم الأصوليون الواجب العقلي إلى مبحثين:
الأول: المستقلات العقلية.
الثاني: غير المستقلات العقلية.
ويلاحظ علماء الأصول سلسلة العلل في المستقل العقلي حيث يتألف من مقدمتين عقليتين يراعى في نسبتهما اللزوم.
وفي غير المستقل العقلي تكون إحدى المقدمتين شرعية والأخرى عقلية أو الكبرى شرعية والصغرى عقلية في سلسلة المعلولات.
وقد ناقش بعض الأعلام كون الملاك المستدل عليه عقليا (شكر المنعم) من سلسلة العلل أو من سلسلة المعلول من حيث البرهان والاستدلال، فهل هو من العلل أو من المعلول، وبعبارة أخرى: هل أننا نقلد ونصلي ونصوم لنشكر المنعم؟ أم أننا بعد معرفتنا بالله قررنا أن نشكر المنعم فبحثنا عن الطريقة فاتخذنا طريق الطاعة له بالتقليد والصلاة والصوم؟ وبمعنى أدق: هل أن شكر المنعم هو يقع نتيجة موضوع في قضية فقهية أم محمول؟ وبمعنى آخر: هل أن شكر المنعم علة محركة وباعثة للتقليد والصلاة والصيام أم أنها مأمور بها بدليل شرعي وخطاب شرعي خاص؟
ذهب بعض الأعلام إلى كونها علة من وجه ومعلولا من وجه آخر، فالجانب العقلي الذي يعتمد التحسين والتقبيح العقليين الذاتيين أو استحقاق المدح والذم يرى أن التقليد ممدوح وحسن وهو واجب لتحقيق الطاعة لله سبحانه وشكره، وفي جانب آخر يرى بأن الخطاب الشرعي دعا لشكر المنعم في الخطابات الشرعية من جهة ومن جهة أخرى فإننا يمكننا الصلاة لشكر المنعم، وتصح الصلاة بذلك في مسألة فقهية فرعية حيث يقع شكر المنعم معلولا في هذا الفرض.
يستشكل الأصوليون هذا الفرض باعتبار بأن للوجوب مناط وملاك واحد وإن لم يتبنى بعضهم هذا الأمر واختلفوا فيه إلا أنهم يرون بأن الامتثال والأداء يكون لواجب واحد لا واجبين.
وقد رد آخرون هذا الإشكال فقالوا: بأن المطلوب في ذمة العبد والمخاطب به هو فعل واحد لو أتى به ذلك العبد لكان ممتثلا وكان مجزيا لكل تلك الأمور الباعثة للوجوب، وأن في الأمور العقلية ما يكون محركا وباعثا أو زاجرا ناهية قبل التشريع رتبة فيكون من سلسلة العلل، وما يكون بعد التشريع فيكون من سلسة المعلولات، ولا امتناع من اجتماع أسباب الوجوب على فعل واحد كمن نذر الوضوء فتوضأ فيكون فعله مجزيا عن النذر ورافعا للحدث في آن واحد ولا امتناع في ذلك.
ولا يخفى بأن أثر العلة في سلسلة العلل يختلف عن أثر المعلول في سلسلة المعلولات شرعا، فلذلك يعتبر الحكم العقلي في سلسلة المعلولات نتيجة من مقدمتين ليصح أن يكون معلولا كوجوب الطاعة ولزومها في هيئة وفعلية الامتثال، مصداق قوله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [1].
فالمذهب العقلي يقضى عادة بكون شكر المنعم من العلل لا من المعلول لأن المعلول يلزمه علة، وإن وجدت العلة فستكون غير عقلية وتكون من باقي الأقسام الأخرى التي لا يتبناها الذاهبون للوجوب العقلي.
والحال أن كون الوجوب العقلي من العلل يعد من المباحث الكلامية وكونه معلولا يعد من المباحث الفقهية عموما.
قال السيد الخوئي قدس سره الشريف: الصحيح أنه عقلي ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن في ارتكاب المحرّم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجة استحقاقا للعقاب ، كما أن في ارتكاب المشتبهات احتمال العقاب لتنجز الأحكام الواقعية على المكلفين بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمّن من العقاب وهذا يحصل بأحد الاُمور الثلاثة :
فإن المجتهد إمّا أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريات وهو قليل ، وإمّا أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الأمارات والاُصول . كما أن المقلد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجة عليه على ما يأتي في مورده. وأما العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل يسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب.[2]
وهناك علة دفع الضرر والعقاب من المولى حال المخالفة.
وقد اختلف الأعلام في ضرورة وجوب شكر المنعم حيث رأى البعض بأن بعض الأعلام قد جعل وجوب الحسن العقلي بمنزلة الواجب الشرعي باعتبار أن ترك الواجب يستلزم العقاب وترك شكر المنعم لا يلزم منه العقاب.
أما عن الوجوب العقلائي فسيأتي عليه الكلام ان شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
[1] سورة النساء الآية 65.