بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كلامنا اليوم عن الوجوب الفطري في مسألة التقليد.
والوجوب الفطري: هو الواجب الذي يبتنى على فطرة الإنسان وجبلته بما هو مجبول عليه.
وقد بنى عليه صاحب الكفاية باعتبار أن لا اختلاف في الفطرة ويمكن أن يناقش المكلف ويختلف مع غيره في باقي الأقسام فقال:
ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهيا جبليا فطريا لا يحتاج إلى دليل، وإلا لزم سد باب العلم به على العامي مطلقا غالبا، لعجزه عن معرفة ما دل عليه كتابا وسنة، ولا يجوز التقليد فيه أيضا، وإلا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما عداه قابل للمناقشة، لبعد تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة، مما يمكن أن يكون القول فيه لأجل كونه من الأمور الفطرية الارتكازية، والمنقول منه غير حجة في مثلها، ولو قيل بحجيتها في غيرها، لوهنه بذلك.. انتهى.
أشار فيها قدس سره إلى أمرين:
الأول: بديهية هذا الرجوع في التقليد نظرا لكونها جبلية فطرية.
ثانيا: انسداد باب العلمي إن لم نعتمد على تلك البديهية في فطرة العامي.
ثالثا: ارتكازية الأمور الفطرية وكون ما عداها قابلا للمناقشة.
إن التركيز على بديهية الفطريات يجعل البيان منساقا لمعنى الفطريات والأوليات كلاميا حيث أشكل المحقق الأصفهاني قدس سره الشريف على هذا المبنى وقال بأن القضية الفطرية قياسها معها والأولية كذلك مثلها.
فتكون القضية هنا من صور الأقيسة حتى ولو عد اعتبارها قياسا تسامحا لأن القضايا الفطرية قياساتها معها وإن احتاجت للوسط إلا أن دليلها معها، والأولية هي ما يتصور الموضوع والمحمول والنسبة بينهما ويكفي للجزم بذلك أو تصور القضية على رأي معين والاكتفاء بهذا التصور، وفي جميع الأحوال فلا يمكن اعتبار هاتين القضيتين كباقي القضايا الاستدلالية لأنها مكتفية بنفسها ودليلها معها فيكون الأمر مناسبا للبداهة أكثر من الجبلة والطبع.
أما عرفا فالفطرة تعني أمرين:
الأول: عام: كالجوع والعطش والخوف والألم وغيرها من الأمور المتعددة.
وفيه يشترك الإنسان والحيوان حسبما اشتهر من كلام العلماء وقد ضم بعضهم الطفل ومشاعره وحاجاته وتصرفاته واعتبروا أن الأفعال متسانخة حال حدوثها فالكل يبحث عن نجاته في حال الضرر.
ثانيا: خاص: الشوق نحو تحصيل الكمالات الجسمانية والفكرية والمعرفية.. وأمثالها.
يدركها الإنسان فقط دون الحيوان حسب إدراكه الوجداني ولكن لا يمكن البناء على أن سعي الإنسان لكماله الذاتي سيكون عبر التقليد لأن عمله بقول الغير لا يعد علما مقابل الجهل وإنما تطبيقا للنجاة من الضرر.
فالجانب العرفي أكثر مناسبة من البديهي الفطري الاصطلاحي للطبع والجبلة والفطرة.
ويدركها الإنسان بعلمه الحضوري في الغرائز تارة كما في القسم الأول وبعقله واحتمالات الضرر أخرى كما في القسم الثاني، إلا أن العقل أضيق دائرة في تطبيق العامي له من الفطرة التي يشترك فيها حتى الطفل والحيوان مع الإنسان في المعاني الغريزية.
هناك من علمائنا من عبر بالعقل الفطري إشارة للمعنى الفطري الخاص المعبر عن الشوق لتحقيق الكمالات بإدراك وجداني واحتمال ذهاني.
قد أشار المرعشي قدس سره في تعليقته حيث قال: يجب وجوبا تخييريا عقليا _ثم استدرك قائلا_ بل فطري.
وهذا يا أحبتي هو مبنى القائلين بالوجوب الفطري أما العقلي فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.