بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
غالبا ما ينشأ العرف من القواعد البديهية أو المباني اللغوية الخاصة أو الطبائع المتحدة بين جماعة بجانب الاستدلال العقلي البسيط المعتمد على حب العدل وكره الظلم والمصالح والمفاسد على نحو من القضايا الشخصية تحفظ حقوق الأفراد مع مراعاة الجانب الفردي بما هو مع غض الطرف عن المصالح العامة تحصل بذلك أم لا، وإن كانت تحصل بتحصيل حاصل على الأغلب، فالمصلحة العامة لحاظها مصلحة الجميع وإن شذ عن قاعدتها أطراف، والمصلحة الخاصة إن اجتمعت لمؤدى المصلحة العامة فذاك وإلا فلا تصلح أن تكون قانونا لشخصيتها.
وقد تنشأ الأعراف من موروثات الأديان السابقة التي كانت تعتنقها فئة ما ولو من سنين بعيدة، ولو جهلت مصادر صدورها، حيث يبحث علماء الاجتماع ودارسوا الأديان عن مناشئها من هيئات مبانيها الكاشفة عن مصدريتها ومنبعها.
وقد تنشأ من تسالم أهل الفنون والمهن على طريقة معاملاتية معينة، كتحويل المقاييس وتفضيل الصفات لغيرها بحسب تغيير المرغوبيات والخصائص الخارجية للأشياء كل بحسبه.
ولكن قد تتفق فئة ما على نقل الأعراف أو نسخها بعرف جديد على ما تقتضيه المصلحة وبحجة دفع الضرر أو اكتشاف عدم جدوائية العرف السابق مع التطورات والمستجدات الحاصلة في نواحي الحياة المختلفة.
وهنا ثلاث صور:
الصورة الأولى:
حين يغلب الجانب البديهي على الجانب العرفي رغم تسالماته نظرا لكون الملاك العقلي الفطري واضحا فيه ويشترك في تسالمه جميع العقلاء لو خليناهم وطبعهم من جهة، وسبق كون العقل هو الحاكم على العمل به قبل التسالم على إمضائه اجتماعيا فعليا ، حيث تكون الأقيسة المباشرة حاضرة منطقيا وقياس الأولوية حاضر شرعا.
أما الألفاظ والمباني اللغوية فهي موضوعة من قبل المجتمع على نحو إيجاد المعاني فما يحصل فيها من تغيير فهو في مباني اللفظ خاصة.
في الصورة الثانية:
إن الشريعة الإسلامية السمحاء قد نسخت كافة الأديان السماوية التي سبقتها وما كان منسوخا فقد هجر التعبد به، ولكن هناك ما هو مستمر من الأديان وقد أمضته الشريعة الإسلامية كونها امتدادا لعبادة رب الأرباب الواحد الأحد واتحاد المشرع والمعبود..
فما كان ماضيا من الشرع فهو ماضٍ وما هو منسوخ فقد وجب تركه والتعبد بالشريحة الناسخة وهجر الشرائع المنسوخة وعدم إحياءها في العادات والتقاليد أبدا.
في الصورة الثالثة:
فالتسالم فيها يكون سببا لحفظ المصالح المعيشية والبشرية من جهة الإدراك العقلي بين المتعاملين باعتبار أنها وضعت لمصلحة ما، فتتدخل الشريعة فيه لحفظ وتنظيم مصالح الناس.
ولكن اذا اتفقت أو تسالمت فئة ما على جعل عرف جديد من حيثيات وجهات معينة فإنه ينحو المنحى اللفظي في الشياع، كمنحى أي وضع جديد يحتاج للتعيين حتى يشيع فيتعين، فيتدرج نحو الفناء في المعنى التسالمي العرفي على نحو الشياع المستلزم لهجران الوضع الالتزامي والتقنيني السابق إن كان له معنى سابقا أو بروزه كقانون أو معنى جديد إن كان مستجدا..وهكذا..
فلا يمكن للشريعة الاعتداد به كعرف من حين ولادته حتى يصبح عرفا فعلا، فنتمكن من البناء عليه كعنوان عرفي بأي نحو أو جهة، لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالمعنون بعد وجوده أو إيجاده في الخارج حتى يمكن البناء عليه وانطباق وجوده في الخارج على مفهومه العنواني، فلا يمكن التعامل مع الشايع قبل حمله أوليا.
ويتحصل من هذا كله أنه ليس كل ما شاع بين الناس يعد عرفا إن لم يتسالموا على العمل به ولا العكس، بمعنى آخر، أن ليس كل متسالم عليه يعد عرفا إن لم يحصل على مرتبة الشيوع مقارنة بالعمل به.