بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
قبل البدء في شرح مسائل الاجتهاد والتقليد تطالعنا مسألة مهمة وهي:
هل التقليد مسألة أًصولية أم كلامية أم فقهية؟
هناك عدة تساؤلات في هذا المورد وبسببه قد ترى بعض الكتب الفقهية والرسائل العملية السابقة لا تدرج مسائل التقليد والاجتهاد في مناهجها كما هو المعمول به حاليا ولم يكن مدرجا في كتب والرسائل العملية الفقهية السابقة.
قبل كل شيء يفتر ض بنا أن نؤسس أوجه الاختلاف بين المسائل الثلاث وأنواعها من العمل والالتزام.
أولا: المسألة الأصولية في أًصول الفقه شمولية ولا تختص بباب دون الآخر وليست كالفقه الذي تختص مسائله بالفروع عادة وتكون مسائل جزئية، فترى مسائل الاستصحاب والبراءة والتخيير والاحتياط وباقي المسائل الأصولية تدخل في أبواب وفروع الفقه، كما قال السيد البروجردي إن الأصول هي منطق الفقه.
ثانيا: المسألة الكلامية: هي من المسائل التي لا تقبل الظن وهي التي تبحث وجود الله وصفاته وأفعاله وقد تسمى بالعقائدية حيث أن معيارها الوجوب والامتناع والإمكان الخاص.
ثالثا: المسألة الفقهية: وهي المسألة التي تبحث في أعمال المكلفين في جوازها وحرمتها واستحبابها والأحكام الظنية والواقعية فيها من الأحكام الخمسة.
ذهب صاحب الكفاية إلى كونها من المسائل الأصولية وأدرجها في خاتمة كتابه حيث يبحث علم الأصول في الحجية واعتباراتها بينما ذهب صاحب العروة الوثقى إلى كونها من المسائل الفقهية وأدرجها في أول العروة الوثقى.
ذهب الشيخ علي كاشف الخطاء والميرزا القمي والشيخ عبدالله جوادي آملي إلى كونها مسألة اعتقادية وكلامية نظرا لكونها تتناول ولاية الفقيه سواء كانت مطلقة أم لا، وإنها من صميم اعتقادنا بوجوب الرجوع للإمام المعصوم عليه السلام والعلماء من بعده كانوا وما زالوا امتدادا له في غيبته عجل الله فرجه الشريف وهم الذين يقومون بدوره في هذا الظرف.
وذهب المشهور الى كون مسألة الاجتهاد والتقليد فقهية نظرا لكونها تبحث في ما يجوز فعله وما لا يجوز.
استدل الشيخ الآخوند في خاتمة الكفاية بحجية الأدلة المختلفة وناقشها في فصول باب الاجتهاد والتقليد وكانت المباحث التي طرحها في مسائل أصولية من حيث موضوع حجيتها، وقد يشكل بأن الآخوند قد يكون اطرد في هذه المسألة كاطراده في مبحث الجبر رغم كونه عقائديا وكلاميا، إلا أنه يرد بأن مبحث الاجتهاد والتقليد قد بحثهما الآخوند بمعايير أصولية وأفرد لها بابا وذلك لا يكون إلا بحثا أصوليا مستقلا بحسب طريقة وموضوع وحال طرح المبحث.
أما القائلون بالمذهب الكلامي فقد قسموا الأفعال إلى جهتين :
أولها : فعل الله.
ثانيها: فعل المكلف.
فجعلوا للأول العقائد، وجعلوا للثاني مباحث الفقه، واعتبروا بأن فعل الأول قلبي جوانحي والثاني جوارحي، ولكن في مثل هذا المعيار قد يحصل الخلط من حيثيتين:
أولا: أن الاعتقاد من فعل العبد والتشريع الفقهي من فعل الله أيضا، وهذا عكس المدعى ويصدق في جهته، وكان لابد من ضبط جهة القضيتين بمعايير أدق، فالله سبحانه فاعل للعقيدة والتشريع بما يليق به، والعبد فاعل لهما بما يطيق فعله.
ثانيا: في مباحث العقيدة والجزم هناك هيئة فعلية التزاميه عند العبد، كما أن في الفقه هناك هيئة قلبية جوانحية في النية في العبادات أو القصود في العقود.
الذاهبون للجانب الفقهي واعتبار المسألة فقهية يرون معيارها هو الجواز وعدمه حسب ما هو متعارف ولكن الفقه يتعدى ذلك لما هو أعم عبر أحكامه التكليفية والوضعية فتشمل مباحثه الصحة والبطلان والمصلحة والفساد بجانب أحكامه التكليفية الخمسة.
واقعا لا يوجد أصل عملي يمكننا الرجوع له في مثل هذه المسألة نظرا لاختلاف مواضيع العلوم وجهاتها وإنما يمكن فرز المسائل بحسب موضوعاتها المختلفة ونسبها لها وفق المباحث والمواضيع التي تتناولها وتبحث وتحدد المعايير عبر ذلك التشخيص.
من هذا المنطلق يمكننا بحث مسائل الاجتهاد والتقليد بعدة معايير، ولكن في كتاب العروة الوثقى ينظر الفقهاء للأحكام التكليفية والوضعية الناظرة لما يجب على المكلف فعله منبعثا أو منزجرا جوارحيا أو جوانحيا حسب القطعيات أو الواقعيات أو المقتضي والمانع في الظهوريات سواء كان تكليفيا أو وضعيا.